ابن المقفع

27

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

لبعض جواهر الأدب ، صاغها ابن المقفع بمهارته وحذقه ، وأعطاها في لغة العرب قالبا وأسلوبا . وكأنه حدّد طريقته في الكتاب وساق فضله فيه خلف برقع من التواضع وترك الغرور ، حيث يقول : « فإذا خرج الناس من أن يكون لهم عمل أصيل ، وأن يقولوا قولا بديعا ، فليعلم الواصفون المخبرون أنّ أحدهم - وأن أحسن وأبلغ - ليس زائدا على أن يكون كصاحب فصوص وجد ياقوتا وزبرجدا ومرجانا ، فنظمه قلائد ، وسموطا ، وأكاليل ووضع كل فصّ موضعه ، وجمع إلى كل لون شبهه وما يزيده بذلك حسنا فسمي بذلك صانعا رفيقا . . وكصاغة الذهب والفضّة : صنعوا منها ما يعجب الناس من الحلي والآنية ، وكالنحل وجدت ثمرات أخرجها اللّه طيبة ، وسلكت سبلا جعلها اللّه ذللا : فصار ذلك شفاء وطعاما وشرابا منسوبا إليها ، مذكورا به أمرها وصنعتها » . فالمتدبر لعبارته يبين له أنه عرف قدر ذاته في ما وعى وعرض من العلم والحكمة ؛ وقد يخرج بهذا التقدير إلى حيّز التأكيد بقوله : « ومن أخذ كلاما حسنا عن غيره فتكلم به في موضعه وعلى وجهه ، فلا ترينّ عليه في ذلك ضئولة . فإنه من أعين على حفظ كلام المصيبين وهدي للاقتداء بالصالحين ، ووفق للأخذ عن الحكماء . . فقد بلغ الغاية » . * وصف الكتاب وطريقة ابن المقفع في هذا الكتاب تتفق وهويته التي أشرنا إليها ، فهو لم يؤلف بمعنى التأليف القائم على الترابط ، والتدرج ، والتبويب ، والتنظيم كذلك لم يترجم كتابا بعينه ، له مخططه ، وموضوعاته المقسمة المنسّقة ، فالكتاب أقرب إلى أن يكون جمعا لكلام بليغ أعجبه فأثبته ، ولحكمة فريدة وعاها فساقها ، ومثل صادق الدلالة وقع عليه فدوّنه . وقد وصفه أحمد أمين فقال : هو « عبارة عن كلمات حكيمة في الأخلاق ، لا تحلّل النفس والخلق تحليلا دقيقا واسعا مستوفى ولا تذكر الخلق فتبسط القول فيه ، وتذكر وصفه والسبيل إلى اكتشافه ، فذلك بالعقل اليوناني أشبه ، ولكنه عبارة عن جمل موجزة أشبه بالأمثال ، وهي خطرات نتيجة تجارب قد صيغت في إيجاز »